شريط البيبي سي

الأحد، 17 أبريل 2011

يوميات ثورة الصبار ( الحلقة الثانيه ) لـ أ / عبد الرحمن يوسف

( الحلقة الثانيه )

كان الهدف بالطبع هو عمل إذاعة لنتمكن من توجيه هذا الجمهور ، بدلا من أن يظل بلا هدف .
وقررنا أن نأخذ كهرباء من عامود النور بجوار إشارة المرور المطلة على الميدان باتجاه مطعم (هارديز) ، وحين احتجنا كهربائيا ، وجدنا العديد من الكهربائيين ضمن المتظاهرين !
كنت في قمة السعادة ، فهذا التجمع يضم طبقات متعددة ، طلبة في الجامعة الأمريكية ، وفي الجامعات المصرية ، ومهنيين ، وفلاحين ، فقراء وأغنياء ، بنين وبنات ، وهذه ظاهرة جديدة في الحياة السياسية المصرية ، فالمتظاهرون من طبقات شتى ، ولا يعرفون بعضهم البعض !
لقد مللنا من المظاهرات التي نلتقي فيها بكل الوجوه التي نعرفها ، تبدأ المظاهرة وعددنا ألف شخص ، وتنتهي دون أن تصبح ألف و واحد ...!
المهم ... جاءت المعدات ، وفشلنا في أن نجهزها للعمل !
ولكني صممت على تنفيذ الفكرة ، فقلت للناشط المعروف د.مصطفى النجار المنسق العام للحملة الشعبية لدعم البرادعي ومطالب التغيير بضرورة أن يحضر أجهزة أخرى ، وقد كان ، فأخرج من جيبه ما يقرب من 1500 جنيه ، وتم شراء عدة أخرى ، ونجح الفنيون في تركيبها .
أمسكت بالميكروفون ، وقلت :
بسم الله الرحمن الرحيم
يا شباب مصر ...
أعلن عن بدء إذاعة التغيير ومقرها ميدان التحرير بالقاهرة ...!
فانفجر جمهور الحاضرين بالتصفيق والهتاف ...!
ثم أكملت كلامي : يعد برامجها ، ويحررها ، ويقدمها ، شباب مصر الثائر المعتصم بميدان التحرير ...!
بدأت بتحميس الشباب ، وبتوجيههم إلى ضرورة الصمود في أماكنهم مهما كان الثمن ، وبأننا إذا صمدنا حتى صباح الغد واستيقظت القاهرة ووجدتنا في الميدان فمعنى ذلك أننا سنبدأ صفحة جديدة في الحياة السياسية في مصر .
وبالفعل ، امتلأ الجميع حماسة وتصميما على البقاء في الميدان حتى الصباح .
أعلنا كذلك عن فتح الباب للحديث في الإذاعة لمن يريد أن يلقي قصيدة أو أغنية أو كلمة ، وبدأنا بتلقي الطلبات من الجمهور ، ووعدنا الجميع بأن تكون الإذاعة ملكا للجميع ، وقد كانت كذلك بالفعل ، لمدة ساعتين ...!
وكان من ضمن ما أشعل الحماس أنني أعلنت أن هذه الثورة قد بدأت بدفع ثمن الحرية وذلك بشهيدين في السويس ...!
كانت التجربة المطبوعة في ذهني مؤلمة جدا ...!
وأعني بها تجربة حدثت في مارس 2003 ، بعد أن بدأت أمريكا بضرب العراق ، فاعتصمنا في الميدان بنفس الطريقة ، وعند الفجر ، هجم الأمن المركزي وطرد من طرد ، واعتقل من اعتقل .
كان المنظر مختلفا ، فالعدد هذه المرة أضعاف العدد الموجود في 2003 ، وأهم من ذلك أن الهمم والمعنويات مختلفة تماما .
بدأنا بفعاليات الإذاعة ، وبدأ المتحدثون بالحديث ، أذكر أن أول المتحدثين كان الدكتور علاء الأسواني ، وتحدثت أيضا السيدة جميلة إسماعيل ، والدكتور عبدالجليل مصطفى ، والنائب الإخواني محمد البلتاجي ، وغيرهم .
وكنت الوحيد الذي لم يتحدث ، فقد شعرت بحرج أن ألقي أشعاري على الحضور وأنا المسؤول عن الإذاعة ، برغم أن المئات من الحضور أمامي كانوا يطالبونني بذلك ، ولكني تحرجت ، وانتهى اليوم دون أن ألقي قصيدة واحدة ، بل قدمت الآخرين فقط .
قبل انتصاف الليل ، كانت تحركات الشرطة أصبحت مريبة ، لذلك وجهت جموع الحاضرين إلى التفرق على مداخل الميدان المختلفة لتأمينها جميعا ، وكان لذلك أثر طيب قلل الخسائر عند اقتحام الشرطة للميدان .
هذه التوجيهات لم تكن اجتهادا مني بقدر ما كانت استجابة للشباب النابه من حولي .
بعد انتصاف الليل كان صوتي قد بلغ به الإرهاق حدا رهيبا ، فلم أتمكن من مواصلة إدارة الإذاعة ، فتركتها للشباب ، وبدأت بالتجول على مداخل الميدان المختلفة لأتأكد من أن جميعها قد تم تأمينه ، وكان معي في هذه الجولة  د.مصطفى النجار .
وفجأة ، وبدون أي سابق إنذار ، بدأ الهجوم الوحشي القذر من الأمن المركزي ...!
سقطت القنبلة الأولى على الإذاعة مباشرة ...!!!
المدرعات تتقدم ، وأصوات القنابل تدوي ، والقنابل المسيلة للدموع تنطلق عاليا وتسقط في وسط الميدان حيث الحديقة .
كان من الصعب أن نصمد هذا اليوم ، لذلك قرر العقل الجمعي للشعب المصري أن يغادر الميدان .
في هذه اللحظة ، كان مصطفى النجار أمامي ، وخطر في بالي خاطر ، هل أمشي معه ، أم أنصرف لوحدي ؟
وأخذت القرار ، وانصرفت وحيدا ، واختفيت بين الجموع الهاربة ، وكان ذلك قرارا حكيما ، ذلك أن مصطفى قد قبض عليه ، ولو كنت قد مشيت معه لقبض علينا معا !
من ضمن ما حدث أثناء الهروب أن سقطت بجواري قنبلة مسيلة للدموع ، فحاولت التقاطها بشكل شديد السذاجة ، فكدت أختنق بالدخان ، ولولا أن بعض الشباب عرفوني وساعدوني في الهروب لكنت قد سقطت من شدة الإعياء ...!
كانت خطة الشرطة أن يجبرونا على الخروج من الميدان ، لذلك تركوا لنا بعض الطرق للخروج ، أنا خرجت في جمع غفير من شارع (شامبليون) ، وكان الشباب يهتفون بمنتهى الحماس ، يسقط يسقط حسني مبارك ، الشعب يريد إسقاط النظام .
وحين اقترب مني بعض الشباب سائلين : هل خسرنا المعركة بانصرافنا ؟
جاوبتهم بكل ثقة : هذا الجمع ما فرَّ إلا ليكِرَّ ...!
وقلتها بالعامية : إحنا مش هربانين ، إحنا ماشيين علشان نرجع بعدد أكبر ...!
وهو ما حدث بعدها بأيام .
مشيت مع المظاهرة مسافة كبيرة ، فمشينا عبر شارع الجلاء ، ومنه إلى بولاق ، ثم ركبت سيارة أجرة إلى منزلي ، لكي أتابع ما الذي حدث ، لأنني كنت منفصلا تماما عن العالم بسبب فراغ بطارية هاتفي .
وصلت منزلي في تمام الثالثة والنصف صباحا ، وبدأت الاتصالات ، وأدركت أننا أمام هجوم وحشي تأذى فيه الكثيرون ، وعند الصباح بدأت الأخبار تتوالى حول اعتقال مصطفى النجار .
بعد خروج مصطفى من السجن بعدها بحوالي يوم ونصف تبيَّنَ أننا حين كنا نسير معا في الميدان لحظة الهجوم كنا مراقبين من أشخاص لا نراهم ، وأنهم ساروا خلف مصطفى النجار ، واستغلوا أنه تعب من الغازات المسيلة للدموع ، وتظاهروا بمساعدته ، ثم قاموا بخطفه في سيارة مجهولة إلى مبنى أمن الدولة في لاظوغلي .
كان القبض على مصطفى النجار لسببين ، الأول : أنه المسؤول عن أول دعوة للتظاهرة ، فقد أصدرت الحملة بيانا قالت فيه :
تدعو الحملة الشعبية لدعم البرادعي ومطالب التغيير جموع الشعب المصري إلى الخروج في تظاهرات سلمية يوم كذا بشكل كذا ... الخ ...!
والسبب الثاني : الإذاعة التي كانت في الميدان ...!
لذلك عومل بقسوة شديدة في سجنه ، وضرب ضربا شديدا ، ولم يفرج عنه إلا لأنه كاد يموت في الحجز ، وذلك لأنه مصاب بمرض في رئته يتسبب في حالات ضيق تنفس واختناق ، ونظرا لأنه كان مكمما طوال فترة حجزه ، فقد تسبب ذلك في إصابته بنوبة اختناق كادت تودي بحياته ، فرموه في الشارع لكي لا يموت عندهم !
من أهم ما جرى في السجن أن جهاز أمن الدولة لم يكن يتخيل أن يتحرك الشعب المصري !
حين أخبرهم مصطفى أن الحاضرين في الميدان لا انتماء لهم ، ضربوه بعنف ، وحاولوا أن يجبروه على التوقيع على اعترافات ملخصها أن ما حدث كان خطة متفقا عليها بين د.البرادعي ، وبين الإخوان المسلمين ...!
وكانوا رافضين تماما لأي حديث عن حركة عفوية للناس ، وكان من أسباب ضرب مصطفى في سجنه أنه رفض التوقيع على هذه الاعترافات المفبركة رفضا تاما ، خصوصا أنها كانت مدعمة بالصور ، وبالصوت والصورة ، إذ تم تصويرنا ونحن نتحدث في الإذاعة التي أقمناها في الميدان .
حين حكى لي مصطفى ما حدث ، شعرت بأن النهاية اقتربت ، لأن أعراض غرور هذا الجهاز أصبحت أكبر من أن يعيش معها هذا الجهاز ، إن غرور أمن الدولة كان من أهم أسباب القضاء على هذا الجهاز الخسيس .
خرج مصطفى النجار مصابا ، فهو يعرج بسبب ضرب مبرح في ركبته ، وكذلك كان مصابا بشرخ في أحد أضلاع صدره ، بالإضافة للإرهاق الذي تسبب فيه تكميمه طوال فترة اعتقاله مما أدى إلى نوبة ضيق التنفس التي أصابته .
استمرت المظاهرات حتى يوم الجمعة ، وهو يوم جمعة الغضب الذي دعونا إليه أول ما دعونا من خلال الإذاعة التي كانت في ميدان التحرير !
بعد أن تم فض الاعتصام هاتفني أصدقاء لم أسمع أصواتهم منذ سنوات وسنوات ليعرفوا كيفية الانضمام لهذه الحركة .
كان الشعور الغالب عند من يتصل بي ، أنه قد فاته شرف الاشتراك في التظاهرة الكبرى في ميدان التحرير ، وأنه يريد أن يعوض ما فاته .
وخلال اليومين التاليين (الأربعاء ، والخميس) استمرت المظاهرات في عشرات الأماكن في القاهرة الكبرى ، كانت مظاهرات صغيرة ، أو متوسطة ، ولكنها استدعت حشد قوات الأمن المركزي ، مما تسبب في إرهاق شديد لهذه القوات ، وبالتالي كانت المهمة سهلة يوم الجمعة ، فقد كنا نحارب جيشا منهكا تمام الإنهاك .
ليلة الجمعة وصل الدكتور محمد البرادعي إلى القاهرة ، بعد أن قطع سفره خصيصا لينضم إلى التظاهرات .
وعقدنا اجتماعا معه في منزله فور وصوله ، وكان من ضمن الحاضرين الدكتور عبدالجليل مصطفى ، والأستاذ علي البرادعي ، الدكتور عصام العريان ، والدكتور الكتاتني ، والدكتور مصطفى النجار ، والناشط عبدالمنعم إمام .
من أهم ما دار في الاجتماع أن الإخوان المسلمين قد اتخذوا الموقف الصحيح ، وكان كلام الدكتور العريان والدكتور الكتاتني يدل على أن الجماعة قد قررت النزول للشارع وأن تلتحم مع الشعب المصري في ثورته .


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق