شريط البيبي سي

الأحد، 17 أبريل 2011

يوميات ثورة الصبار ...!( الحلقة السادسة ) لـ أ / عبد الرحمن يوسف

الشعب هو عمق هذه الثورة.. وخزان الطاقة الحقيقى الذى يضمن استمرارها ..

تمت الدعوة لمظاهرة مليونية يوم الثلاثاء الأول من فبراير، وفى هذه الليلة حدث شىء مهم، فقد اجتمعت فى مكتبى الشخصى القريب من ميدان التحرير (فى شارع 26 يوليو) مع مجموعة من الناشطين فى الحملة الشعبية لدعم البرادعى ومطالب التغيير، وكان فيها الدكتور مصطفى النجار، والأخ عبدالمنعم إمام، والدكتور أحمد خليل، والدكتور علاء عبدالسميع والمهندس عمرو علاء من الشرقية، والدكتور أحمد منير، والمهندس محمد عيد عتمان، ومصطفى إبراهيم، واتفقنا على ضرورة أن نحاول أن ندفع الجيش لإعلان موقفه، فكتبنا بيانا على الكمبيوتر، وطبعناه، ثم مسحناه تماما من على أجهزة المكتب، ووزعناه فى الميدان صباح اليوم التالى.

كان خلاصة ما فى البيان مطالبة للجيش بأن يعلن موقفه من الأحداث، وأن يعلن مع أى شرعية يقف، مع الرئيس الذى سقطت شرعيته بنزول الجماهير، أم مع الشعب العظيم الذى نزل إلى الشوارع مطالبا بحقه فى الحياة ؟!

كما دعا البيان إلى جمعة الرحيل (الرابع من فبراير)، وهدد بأن الجماهير ستتحرك إلى القصر الجمهورى، والبرلمان، والإذاعة والتليفزيون.

وقد تم توزيع البيان على العديد من الصحفيين فى الميدان، وتم توصيله لبعض ضباط الجيش المرابطين على دباباتهم فى الميدان، وذلك لكى يصل البيان إلى الجيش.

وفوجئنا بعدها بعدة ساعات ببيان يصدر من القوات المسلحة يعلن أن الجيش مع الشعب، وأن القوات المسلحة لم ولن تستخدم العنف مع المتظاهرين أبدا...!

ولم يكن أحد منا يتخيل رد الفعل السريع والإيجابى بهذه البساطة.

اتضحت الصورة أمام الجميع، واتضح أن الجيش لن يضرب الناس، وأننا الآن نستطيع أن نضغط على مبارك، ونحن مطمئنون أن هذه المدرعات لن تفتح جحيمها علينا!

كان هذا الهاجس داخل القلوب والعقول، وإن لم تنطق به الألسنة.

فى نفس هذا اليوم الثلاثاء الأول من فبراير 2011، جاء المصريون إلى ميدان التحرير بالملايين، قدرت الأعداد يومها بمليونين، وقدرت الأعداد فى مدينة الإسكندرية بأكثر من ثلاثة ملايين من البشر!

إنها أكبر تظاهرات فى تاريخ هذا البلد العظيم، ولم نكن نتخيل أننا سنشهد تظاهرات أكبر من هذه بعدها بأيام.

بعد أن انتهت التظاهرة، أعلن التليفزيون الرسمى عن كلمة سيلقيها مبارك للأمة، وجلسنا ننتظر وننتظر، حتى فرغ منا الصبر، وظهر– كعادته– بخطاب قمىء، خال من البلاغة واللباقة، وتذكر أخيرا أن فى مصر شهداء قد قتلوا برصاص أمنه، وتذكر أخيرا أن فى مصر مطالب ومظالم ينبغى أن ينصت لها!

كانت الطامة الكبرى، إذ أعلن فى خضم هذا الكلام المائع أنه لن يترشح للرئاسة لفترة أخرى، ثم بدأ باستعطاف الجماهير بخطاب عاطفى سخيف، وأنه سيعيش ويموت ويدفن فى مصر!

بعد أن انتهى الخطاب مباشرة قلت لكل من حولى لا بد من تصعيد فورى، ولكن لم يصغ أحد.

خلال ربع ساعة كانت ردود الأفعال كالتالى: رفض تام لمن هم داخل الميدان لكل ما قدمه مبارك، وإصرار على مواصلة الاعتصام حتى يرحل.

ارتياح تام لكل ما قدمه مبارك ممن هم خارج الميدان.

جاءتنى عشرات المكالمات التى تصف الأجواء (خارج الميدان)، نساء يطلقن الزغاريد فى الشرفات، (شربات) يوزع فى الطرقات مجانا، بل وصف لى البعض مشاهد (كسر قلل) فى بعض الأحياء.

المهم، أن الشعب المصرى انقسم نصفين، أقلية ضد خطاب مبارك تماما، ولا ترى فيما قدمه أى شىء يرضيه لكى يفك الاعتصام، وأكثرية معه تماما، ولا ترى أى معنى لمواصلة الاعتصام، بل ترى أن من يواصل اعتصامه يؤذى الوطن ويخربه، وينبغى أن يؤخذ على يده!

كنت من الذين تنبهوا إلى خطورة الوضع منذ الدقائق الأولى، وقلت للعديد ممن هم حولى، لو تحركنا الآن إلى البرلمان لن يستطيع أحد أن يوقفنا، وإذا انتظرنا إلى الغد ستكون الكفة فى غير صالحنا، وحاولت بكل الطرق أن أدفع الناس فى هذا الاتجاه، وحين تلكأ من حولى، أخذت الدكتور مصطفى النجار وذهبنا فى جولة حول مجلس الشعب، لكى نرى حجم التحصينات التى حوله، وكانت ضئيلة جدا.

قلت للشباب: لو تحركنا الآن، سنصل إلى البرلمان قبل أن تصل الأوامر بكيفية التعامل معنا، وكان عندى ما يطمئننى بسبب بيان الجيش فى الصباح، ذلك البيان الذى تعهد فيه الجيش بعدم استخدام العنف مع المتظاهرين.

حاولت إقناع الشباب بأن السكوت خطير، وبأننا لا بد أن نصعد، ولا بد أن تصحو القاهرة غدا فتجدنا قد كسبنا مساحة جديدة بدلا من الانتظار فى أماكننا حتى يجهز علينا هذا العتل!

وإذا كان هنالك من قلق من أن يندس بيننا من يتلف مبنى البرلمان، فيكفينا أن نعتصم فى حديقة مجلس الشعب دون أن نقتحم المبنى.

فى هذه اللحظة، عرفت قيمة الإذاعة...!

لم يكن من الممكن أن أتطفل على أى إذاعة فى الميدان لكى أدعو الناس إلى التحرك إلى البرلمان، لذلك دفنت الفكرة فى مهدها!

بعد أن انتهى الخطاب تعرّض المعتصمون لاختبار قاس جدا، فبدأت الاتصالات تنهال على كل من هو فى الميدان من أقربائه وأحبائه، الكل (ممن هم خارج الميدان) يطالب بفك الاعتصام.

لهذا السبب أعتبر هذه الثورة ثورة الشباب!

لقد بدأ هذه الثورة الشباب، وإنى لأشهد أن الشباب هم من صمد فى هذه اللحظة ضد جميع أشكال الضغط والابتزاز النفسى، التى تعرض لها المعتصمون من أقرب الناس لهم.

لقد كان الشباب فى ميدان التحرير يرون ما لا يراه الآخرون، كانوا يلمسون الحلم بأيديهم، ويبصرون عين ماء يحسبها الآخرون سرابا!

هاتفنى أحد الأصدقاء فى تلك الليلة (وهو يطالبنى بفك الاعتصام، وكأن الناس تحت أمرى !!!)، وبعد أن قلت له إننى مجرد فرد من ملايين، ولن يستمع لى أحد، وإننى لا أرى مبررا لفك الاعتصام، قال لى كلاما شديد القسوة، ملخصه أننا نحرث فى البحر، وأننى شخص معقد نفسيا، دائما أحب خوض المعارك الخاسرة، وأن الله سيحاسبنى (أنا والموتورين الثورجية من أمثالى) على المصائب التى سيدخلها البلد بسببنا...!

أشد ما كان يغيظنى فى تلك الفترة هذه المكالمات التى كانت تأتينى وتطالبنى بفك هذا الاعتصام، وكأننى أمسك بريموت كنترول يحرك الناس...!

كنت دائما أوضح لهم أن هذا شعب عظيم، ولا يستطيع أن يملى أحد عليه قرارا، لقد تحرر الناس، وهم من يقرر، ولا أحد يقرر لهم.

كانت ليلة ليلاء، وكان جميع الحكماء يدركون معنى أن تفقد الثورة الشعب!

إنه فشل لا محالة للثورة!

الشعب هو العمق الاستراتيجى لهذه الثورة، وهو خزان الطاقة الحقيقى الذى يضمن استمرار الثورة.

فى هذه الأيام بدأت بعض الاتصالات تصل للدكتور مصطفى النجار من طرفين، الطرف الأول حكومة شفيق، فكانوا يحاولون الاتصال بنا، ويحاولون أن يجلسوا معنا لإجراء حوار وطنى.

وكان رد مصطفى النجار برفض الحوار.

الطرف الثانى الذى اتصل بنا، بعض المجموعات الشبابية التى رغبت فى أن ننضم لها لتكوين بعض الائتلافات التى تمثل الثورة 

حين استشارنى الدكتور مصطفى فى هذا الأمر، قلت له إننى لا أحب أن أكون طرفا فى مثل هذا الأمر، لأننى لا أمثل إلا نفسى، ولست مخولا للحديث باسم الناس بأى شكل من الأشكال.

أحب هنا أن أنبه إلى أننى لا أتحدث عن ائتلاف بعينه، لأن جميع الائتلافات التى تكونت اتصلت بنا، وجميعها (بلا استثناء تقريبا) قد لقى نفس الرد، فاعتذرنا للجميع اعتذارا جميلا هادئا، دون أى مزايدات أو مشاحنات، ولكن (وللأسف الشديد) حمل لنا بعض هذه الائتلافات ضغينة، بسبب رفضنا الانضمام لها، مما تسبب فى بعض الاشتباكات فيما بعد، وحدثت بعض المزايدات ومحاولات التشويه لشخصى أنا والدكتور مصطفى النجار من أناس كنت أظنهم أكثر حكمة من أن يقعوا فى مثل هذا الفخ، فى مثل هذا الوقت، وسوف أذكر ذلك فى موضعه.

بعد خطاب مبارك نمنا بعد الفجر، وكنت فى الخيمة فى وسط الميدان، ومع أذان الظهر فوجئت بصراخ من الناس من حولى يطلبون النجدة، فهرعت، فوجدت أنصار الحزب الوطنى يحملون صور مبارك فى وسط ميدان التحرير!

لقد وصل المئات منهم إلى قلب الميدان، فى منتصفه، عند (الصينية)!

تدافعنا جميعا نحوهم، وحاصرناهم بكل ما أوتينا من قوة، استطعنا بعد ساعتين تقريبا دفعهم خارج الصينية باتجاه المتحف المصرى، وميدان عبدالمنعم رياض.

كانت الشمس ساطعة ذلك اليوم، مما أرهقنا بسبب الحر وشدة التدافع، وأذكر أنى قابلت زوج أختى (المهندس حسام خلف)، وحينها عرفت أن زوج أختى الصغرى (الدكتور هشام المرسى) الذى هاتفنى منذ يومين قد اختفى مساء الاثنين فى ظروف غامضة.

حين دفعنا هذه الجموع إلى جهة المتحف بدأوا بإلقاء الحجارة علينا، وبعد العصر بدأ وصول الجمال والخيول.

لقد كانت حماقة لا مثيل لها، من سياسيين لا يفقهون معنى السياسة، مجموعة من رجال الأعمال الحمقى، تصوروا أنهم يستطيعون أن يهزموا مئات الآلاف من البشر ببعض البغال والحمير والجمال!

مهما كتبت فى وصف حماقة من موّل ونفّـذ هذا العمل، فلن أستطيع أن أوفيه حقه من الحماقة!

من الجدير بالذكر أن هؤلاء البلطجية كان من بينهم بعض المواطنين الذين تأثروا بخطاب مبارك، وجاءوا يحملون صور الرئيس المخلوع، ويطالبوننا بالرحيل، وكان هذا من أكثر المشاهد التى آلمتنى، لأن وجود غير المأجورين من الممكن أن يتم استغلاله لإظهار جميع المأجورين بمظهر حسن.

أذكر فى هذه اللحظات أننى شاهدت بعض المصورين يصورون الأحداث من فوق إحدى البنايات، والغريب أنهم كانوا يرتدون زيا عسكريا مموها مثل زى القوات المسلحة، وحتى الآن لا أعرف ما تفسير ذلك...!

فى هذه المعركة، وقبيل العصر حدث حادث لولا ستر الله لكانت قد وقعت مذبحة فى الميدان.

ففى الوقت الذى كانت كل جهودنا منصبة على صد الغازين لكى ندفعهم باتجاه المتحف المصرى، هاجم الميدان مئات من البلطجية المسلحين بالأسلحة البيضاء من جهة شارع طلعت حرب.

هذه الجهة تقع فى ظهرنا– لمن لا يعرف خريطة الميدان– وبالتالى لم نشعر بهذا الهجوم من الأساس، وخطورة هذا الهجوم أنه سيدخل إلى وسط الميدان مباشرة، حيث يجلس النسوة والأطفال فى مأمن من الهجوم الأكبر القادم من جهة المتحف، ولكن الله جنـّد لنا جنودا من عنده فصد عنا هذا الهجوم، الذى لو تم لأوقع خسائر بشرية فى نساء وأطفال لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم.

ما حدث، أن الله شاء أن يكون على هذا الثغر ضابط جيش محترم، برتبة نقيب، واسمه ماجد بولس، وقد فتح نيران أسلحته على هؤلاء القادمين بالسنج والمطاوى، فما كان منهم إلا فروا كالفئران من أمامه 

ولولا ذلك لحدثت مذبحة لا يعلم مداها إلا الله، ولولا النقيب ماجد وما فعله لكنا قد رأينا مناظر مشينة، ولسالت دماء بريئة، ولكن الله سلم.

استمرت المعركة، وفى هذه الليلة حدث ما لا يمكن تصوره!

كان الهجوم أكبر من أن يرصده شخص واحد، لذلك، سأروى ما شاهدته أنا، وما شاهدته (جزء من الحقيقة)، وليس كلها بالطبع.

 لا بد فى البداية أن أوضح أن الجو العام أصبح خلية نحل، فكل من فى الميدان جندى يؤدى عملا ما.

 المئات من الشباب يكسرون كل شىء صلب ويحولونه إلى أحجار للدفاع عن الميدان.

 وهناك من تفنن فى استخراج ألواح الخشب والحديد لتكوين دروع يستخدمها الشباب لحماية أنفسهم من الحجارة.

 مئات من الشباب يقومون بعمل موسيقى تحميسية، وذلك من خلال الضرب على الأسوار الحديدية فى الميدان بأى جسم معدنى، مما صنع موسيقى ضخمة جدا فى الميدان، على الإيقاع العسكرى (مارش)، وحمس كل الشباب، وألقى الرعب فى قلوب المهاجمين.

يوميات ثورة الصَّبَّــار ...! ( الحلقة الخامسه ) لـ أ / عبد الرحمن يوسف

بعد إلقاء مبارك لخطابه الأول في الساعة الأولى من يوم 29 يناير 2011 صارت الجموع في غاية الحماس ، وفي غاية الغضب ، لقد كان خطاب مبارك يمثل قمة الصلف والغرور ، مما جعل كل مواطن مصري يشعر بإهانة موجهة له شخصيا .الأيام التالية كانت تجمع بين الفرحة بالتجمع الضخم ، والحيرة في الخطوة التالية .سئلت مئات المرات من أشخاص لا أعرفهم عما ينبغي أن نفعله ، وكنت أجيب بأمرين الأول أننا باعتصامنا في الميدان نشكل قوة ضغط كبيرة جدا لا يمكن تجاهلها .الثاني أن الناس هي التي صنعت الثورة ، وسوف يحافظون عليها ، أي أن القرار في النهاية سيكون لهذه الجموع .كنت قلقا ، ولكني كنت متفائلا جدا ، كنت أرى ما بشّرْتُ به طوال شهور وشهور يتحقق ، يتحقق بشكل أعظم وأجمل مما تخيلته !لقد كانت آرائي المبشرة بهذه الثورة مثار سخرية حتى بين النخبة !أذكر أنني كتبت مقالة بعد انتخابات 2010 ، وكان عنوانها : (بل قد تضاعف تفاؤلي) ، وكتبت فيها - استكمالا لمقالات أخرى كانت تبشر بقرب النهاية - وأذكر أن صديقا عزيزا قد سخر مني علنا (من خلال الفيس بوك) ، مما اضطرني لحذف تعليقه على المقالة ، وقد سخر بشكل سخيف مع أنه أستاذ جامعي .أنا لا أذكر هذا الكلام الآن لكي أضيف سبقا لشخصي الضعيف ، بقدر ما أذكره لكي يتعلم الناس أنه لا بد من قليل من التفاؤل ، ولا بد أن نتعلم أن ننظر إلى بعض الآراء (غير الواقعية) بشيء من الرحمة ، لكي لا يهدر المجتمع طاقته الفكرية ، وقدرته على التجدد ، وذلك يكون بوأد الخلاف في الرأي ، فيصبح الناس مجتمعين على رأي واحد حتى لو كان خطأ .استمر الاعتصام ، وطائرات الهيلوكوبتر تحلق فوقنا صباح مساء ، تصور وترصد وترسل التقارير .وفي يوم الأحد 30 يناير ، حلق فوق الميدان تشكيل (إف 16) مكون من طائرتين ، وكان تحليقا منخفضا ، وقد تسبب ذلك في حالة من القلق بين المتظاهرين من شدة المفاجأة ، فبدأ المتظاهرون بالهتاف في شكل تلقائي : (حسني اتجنن !) .كانت الأخبار السيئة المتعلقة بالانفلات الأمني تقلق المتظاهرين بشكل جنوني ، وقد كان المخطط جهنميا ، فقد أراد الطغاة مقايضة الأمن بالحرية ، وكذلك أن يشغلوا هؤلاء المتظاهرين بالدفاع عن منازلهم .لكن الذي لم يكن في حسبانهم أن هذا الشباب المصري العظيم سيرتب نفسه بحيث يحرس البيوت في الليل ، ويرابط في الميدان صباحا ، وكذلك أن يتم ترتيب الأمور (بارتجال رائع) بحيث يظل الميدان ممتلئا دائما ، فكأن الشعب المصري قد قام بعمل ورديّات تضمن حراسة المنازل والممتلكات ، وتضمن كذلك استمرار الاعتصام .من أهم ما حدث هذا اليوم (الأحد 30 يناير) أن الصحف المستقلة بدأت برفع سقفها ، وبدأت العناوين الرئيسية تبدو أكثر تحررا مما عهدت من قبل .فالمصري اليوم صدرت صفحتها الأولى بصورة ضخمة لأحد ضباط الجيش الذين انضموا للثورة وهو محمول على أعناق الثوار ، وفوق ذلك عنوان : (مؤامرة من "الأمن" لدعم سيناريو الفوضى) ...!وجاءت صحيفة الشروق بعنوان : (الشعب يتقدم ومبارك يبدأ التراجع) !كانت العناوين زاعقة ، وكان من الواضح أن الصحف المصرية قد اتعظت بما حدث في تونس ، فبعض الصحف هناك صدرت تمجد في زين العابدين حتى آخر لحظة ، ثم فجأة أصبحت العناوين : (إرادة الشعب تنتصر) ...!أما صحافة مماليك الدولة ، فكانت عناوينها تبعث على الضحك أو الغثيان ، ويكفي أن نعرف أن الأهرام صدرت في هذا اليوم تتحدث في صفحتها الأولى عن مظاهرات مكونة من عدة مئات يقودها مصطفى بكري ، ومحمد عبدالقدوس ...!كما لم يخل الخبر من تلميحات بالتدخل الخارجي ، والاتهام بأعمال السلب والنهب ، من خلال ذكر ما حصل في (أركاديا مول) ، وغير ذلك من طرق العرض الرخيصة التي تؤلب الرأي العام ضد الثورة .في هذه الأيام ، أعني الأيام الأولى من الأسبوع الأول من الاعتصام بدأت تظهر (أخلاق الثورة) ، أو (أخلاق الميدان) ...!وفي هذا الموضوع من الممكن أن نكتب مئات المواقف ، ومئات النوادر ، وأن نذكر آلاف الشرفاء .لقد أصبح الجميع يشعر بانتماء لهذا المكان !وهو انتماء من نوع خاص ، أنا لم أعرف مثل هذا الانتماء من قبل .إنه أشبه ما يكون بانتماء الأطفال لحضاناتهم ...!انتماء بدائي غيور ، وبرغم ذلك حدثت خلال فترة الاعتصام فتن بين المعتصمين لا يمكن تخيلها ...!كنا طوال اليوم نرى شبابا وشابات يوزعون ما تيسر من الطعام ، وآخرين يجمعون القمامة .لا يمكن أن تجلس ربع ساعة في أي مكان في الميدان تقريبا بدون أن يمر عليك شخص يسألك عن أي قمامة تريد التخلص منها ، أو بدون أن يدعوك أحد لقطعة (صميت) ، أو بضع تمرات .جلسنا في الميدان حوالي أسبوعين متصلين بدون شكوى تحرش واحدة ، لم نسمع شخصا واحدا يستغيث بسبب سرقة هاتف محمول أو أي غرض كان .كان الناس يتعاملون مع بعضهم البعض بكرم ونبل جديدين على الشعب المصري ، أو على الأقل جديدين على هذا الجيل .أحد أصدقائي (من غير المقيمين في الميدان) كان يمشي معي في الميدان ، وعطش ، فأراد شراء زجاجة مياه معدنية من بائع يقف في الطريق ، فأخذ الزجاجة ، ثم سأل البائع : بكم ؟
فأجابه البائع : لو معاك يبقى 2 جنيه ، لو ما معاكش خدها وامشي !أحد الأصدقاء كان يمشي في الميدان ويحاول أن يجد من يبيع شيئا يؤكل ، وكلما سأل عن أي مكان يبيع طعاما وجد الناس يصرون على دعوته على ما عندهم من طعام !لم تحدث أي مشاجرة تذكر بين الناس ، برغم الزحام ، وبرغم الضغوط التي يتعرض لها المعتصمون .لم يحدث أي مشاجرات إلا بعد أن نجح الأمن في زرع الفتنة بين المعتصمين ، وذلك في مرحلة من مراحل الاعتصام ، حين نجح في إدخال بعض أنصار الحزب الوطني لمحاولة تثبيط العزائم ، وسأذكر هذا لاحقا .المكان الوحيد الذي كان يخضع لأخلاق ما قبل الثورة ، هو المنصات الإعلامية الموجودة في الميدان !كانت شهوة الظهور في هذه الأماكن تضخ طاقة سلبية في المكان ، حتى أنني زهدت في كثير من الفعاليات التي دعيت إليها ، واعتذرت عن المشاركة في كثير من الندوات ، وحين حاول بعض الشباب أن يدفعوا بي لكي أكون مسؤولا عن إحدى هذه الإذاعات تهربت منهم .أذكر أنني بعد إلحاح وضغط استجبت لإحدى الإذاعات في الميدان ، وذهبت في الموعد المحدد ، فوجدت فوضى عارمة ، ووجدت عشرات المتسلقين الذين يرغبون في الكلام ، ووجدت شهوة حب الظهور تكاد تطفيء ما أشعر به من مشاعر (المدينة الفاضلة) ، مما دفعني لافتعال معركة لكي أهرب من هذا الجو !وبالفعل ، أصررت على النزول من على المنصة ، والانصراف ، والسبب أن مزاجي قد تعكر برؤية هذا التكالب على الميكروفون ، فأصبحت غير مهيء نفسيا لإنشاد الشعر ، كان الشخص الذي يدعوني إلى المنصة رجل محترم اسمه الأستاذ حسين الزعويني ، وكنت أخجل منه (هو ورفاقه) من شدة أدبه ، ولكن الاستفزاز الذي كان موجودا عند المنصة فاق قدرتي على الصبر .بسبب هذا الخلق السيء الذي كان عند المنصات لم ألق شعرا في الميدان إلا قليلا جدا ، برغم دفع من حولي لي لكي ألقي ، فكانت قصائدي تلقى مسجلة في الميدان ، برغم وجودي بشحمي ولحمي ، واعتذرت عن أغلب الدعوات ، وحين قبلت كنت دائما أختصر ، فألقي لعدة دقائق ثم أنصرف !وهنا لا بد من شهادة حق ، وهي أن الإذاعة الرئيسية كانت تحت إدارة الإخوان المسلمين ، وبرغم أنهم لم يتمكنوا من تنظيم هذه الإذاعة كما ينبغي إلا أنني أشهد بأنهم لم يحتكروا الحديث لأنفسهم ، أو حتى للتيار الإسلامي لوحده ، بل كانت الإذاعة ممثلة لكل القوى التي في الميدان ، بل لكل من يملك صفاقة كافية للإصرار على الحديث .وقد كان أداء الإخوان طوال فترة الاعتصام ممتازا ، فقد أدوا واجبا عظيما في (لجنة النظام) ، بدون أن يرفعوا شعاراتهم ، وبدون أن يحتكروا العمل في هذه اللجنة ، فكانت لجنة النظام مفتوحة لكل المتطوعين .في نفس هذه الفترة بدأت بعض الضغوط على المعتصمين ، وتمثلت في منع دخول الماء والغذاء والدواء إلى الميدان .وبدأت عشرات القصص تتوالى عن أناس حاولوا إدخال المؤن إلى الميدان فتمت مصادرتها من الجيش وإلقاؤها في النيل .كان من الواضح أن لأمن الدولة دخلا في هذا الأمر ، فحسب روايات الشهود كانت القوات التي توقف الناشطين قوات غير نظامية مجهولة الهوية ، وهناك بعض الشهادات التي تؤكد أن الشرطة العسكرية قد صادرت بعض المؤن ، ولكن يبدو أن ذلك قد تم بتوجيهات من أمن الدولة أيضا .في هذه اللحظة بدأت أشعر بشعور نبتة الصَّبَّار الواقفة في حر الصحراء ، تلك النبتة الرائعة الجميلة التي تقف في الحر لسنوات وسنوات ، صامدة حتى إذا انعدم الماء ...!إذن ... نحن الصَّبَّار ، وسنصمد هنا برغم كل المنع والقمع ...!كنت شديد التشاؤم حيال هذا الأمر ، وكنت أخشى أن يقوموا بتجويعنا في الميدان بهذا الشكل ، وبدأ الحديث عن (شِعْبِ أبي طالب) يتكرر ، ولكن الظن خاب بفضل الله أولا ، وبفضل تحايل الشباب على كل ما قام به من يحاصرنا ثانيا ، فقد تفنن الشباب في طرق إدخال المؤن إلى الميدان .في هذا اليوم هاتفني زوج أختي الدكتورهشام المرسي وهو طبيب مقيم في قطر ، وأخبرني أنه هنا ليشارك في مليونية يوم الثلاثاء ، وقد جاء خصيصا ليشارك في الثورة ، وأخبرني أنه في الميدان .قلت له نلتقي غدا بإذن الله ، ولكن لم يحدث ، لأسباب سأسردها بعد قليل .

يوميات ثورة الصَّبَّــار ...! ( الحلقة الرابعة ) لـ أ / عبد الرحمن يوسف

(هاهم يستخرجون أفضل ما في أنفسهم بعد أن قرروا أن يكونوا قادة أنفسهم) !
وكان من المشاهد المؤثرة التي شاهدتها رجل مع امرأته الحامل يخوضون المعركة مع المتظاهرين !
شاهدت أطفالا صغارا لا تتجاوز أعمارهم العاشرة يشاركون في المعركة ، وشاهدت سيدات كبيرات ، وفتيات صغيرات .
كانت الغالبية العظمى من الشباب الذين لم يتموا الثلاثين .
كنت أشعر أن البلد يولد من جديد ، كنت أشعر بطاقة حب غريبة !
بالرغم من اشتعال المعركة كان الجميع يواصلون الهتاف ، يسقط يسقط حسني مبارك ، وكلما شاهدوا شابا أو رجلا في شرفة من الشرفات يتفرج على المظاهرة يهتفون له وهم يؤشرون له بالنزول : ( إنزل إنزل خليك راجل ، حسني مبارك راحل راحل !) .
في هذه الأثناء أذن العصر ، وبدأ الناس بأداء الصلاة جماعات جماعات تحت الجسر ، وبرغم مرور كل هذا الوقت إلا أن ملابسي ما زالت تقطر ماء بسبب المدرعة اللعينة التي أغرقتني بمائها ، وبدأت أشعر بإجهاد شديد بسبب البرودة النسبية لذلك اليوم ، بالإضافة إلى الغازات والمجهود الذي يبذله المرء في الكر والفر .
انضممت إلى جماعة وصليت العصر ، ثم أكملت الجموع معركتها مع الشرطة .
لقد كان الوعي الذي يحرك المتظاهرين في غاية الروعة ، لدرجة أنني كنت أحمل في يدي حجرا على سبيل الاحتياط ، فوجدت من ينبهني إلى ضرورة التزام الشكل السلمي للتظاهرة .
وبقدر الوعي الذي كان في المتظاهرين ، بقدر ما كانت خسة رجال الشرطة ، فقد أحرقوا سيارة مدنية خاصة واقفة في الشارع عمدا أمام أعيننا ، وحين حاول البعض إطفاء الحريق أطلقوا نحوهم القنابل ، ثم أطلقوا عليهم الرصاص المطاطي .
وفي منتصف المعركة توقفت الشرطة عن إطلاق القنابل حتى أوحي إلينا أن المعركة انتهت ، ولهذا بدأ المتجمهرون بالاقتراب من الشرطة ، وبعد أن أصبحنا في مواجهتهم انهالت علينا القنابل من المدرعات ، ومن فوق الجسر ، وتسبب ذلك في إصابات كثيرة ، وأصبت حينها باختناق شديد ، وفقدت العصا التي غنمتها من الجندي ، ولولا مساعدة أحد الناشطين الذين يعرفونني (اسمه كريم الجهيني) لكنت قد فقدت وعيي .
بعدها بدا واضحا أن التشكيلات التي أمامنا من مكافحة الشغب قد باتت في وضع محرج ، فهي تتراجع ، وتقلل مما تقذفه علينا .
أنا شخصيا كان رأيي أن هناك أمرا ما قد جاء لهذه التشكيلات ، إما بالكف عن الضرب ، أو بالانسحاب ، والبعض رأى أن ذخيرتهم من القنابل قد فرغت !
وأنا الآن أظن أن الأمر مزيج من الاثنين .
بعد أن أفسحت لنا شرطة مكافحة الشغب طريقنا حدث مشهد في منتهى الروعة !
لقد بدأ المتظاهرون بالسلام على عساكر وضباط الشرطة ، بل إن البعض بدأ بتقبيلهم والحديث معهم بما يرفع معنوياتهم ، وبما يرفع الحرج عنهم ، كلام من نوعية : والله العظيم عاذرينكم ، عارفين إنه مالكوش ذنب ، منه لله اللي بيخليكوا تعملوا فينا كده !
وفي هذه اللحظة صعد بعض المتظاهرين أعلى الكوبري وبدؤوا برشق الشرطة بالحجارة ، فما كان من جموع المتظاهرين إلا أن تكتلت أمام تشكيلات الأمن المركزي كدرع بشري ، مع هتاف موحد يدوي في السماء : سلمية ، سلمية !
كان هناك بائع (سميط) في المظاهرة ، يبيع وهو يصرخ : (بنص جنيه) ، وحين انتصرت الجموع على الأمن رأيت هذا البائع يصرخ فرحا : (ببلاش ببلاش ببلاش) !
وبدأ الناس يأخذون بضاعته مجانا ، ويقبلون عليها من شدة التعب وهو راض بذلك ، فجاء شاب ثلاثيني سمح الوجه ، وقال للبائع : (بتتكلم جد؟)
فأجاب البائع بثقة : (أيوه ... اتفضل) ، فما كان من الشاب إلا أن أخرج من جيبه ورقة نقدية بمئتي جنيه ، وأعطاها للبائع في يده ، قائلا له : (برافو عليك) ...!
كان هذا الموقف وما شابهه إرهاصة لما سوف يحدث في الميدان ، أعني بذلك ظهور أخلاق جديدة ، وسلوك مختلف من المصريين ، بسبب اللحظة التاريخية التي يعيشونها .
وبهذا المشهد الرائع انتهت معركة ميدان الجيزة ، وتحركت الجموع إلى ميدان التحرير .
كنت في غاية الإجهاد ، لذلك مشيت مع الماشين حتى وصلت لسيارتي عند حديقة الحيوان ، وقررت أن أذهب إلى منزلي في السادس من أكتوبر لتبديل ملابسي .
استغرقت رحلتي إلى المنزل ما يزيد على ساعتين ، ذلك أن انسحاب الشرطة من الشوارع قد بدا واضحا ، لذلك كلما سلكت طريقا وجدته مغلقا إما بالمظاهرات وإما بالبلطجية !
كان الطريق الدائري (من جهة المنيب) مغلقا بالبلطجية ، وكانوا يمنعون السيارات من المرور مع التلويح بالعصي والسكاكين ، وكذلك كل الطرق التي تمر بمنطقة وسط البلد ، لذلك اضطررت للعودة والدخول من حي المنيل إلى منطقة سور مجرى العيون ثم عبر القلعة إلى أن ارتقيت كوبري 6 أكتوبر من طريق صلاح سالم ، ثم مشيت إلى أن وصلت إلى كوبري 15 مايو ، وعندها وجدت قوات مكافحة الشغب تتصدى لجموع قادمة من جهة شبرا ، وجموع أخرى قادمة من بولاق ، وجموع قادمة من الزمالك ، وكلها تريد الوصول إلى ميدان التحرير .
في هذه المنطقة وقفت ما يقرب من ربع ساعة ، ثم تجمعت بعض السيارات ففتح الأمن المركزي لنا الطريق وعبرنا بسرعة من خلال كوبر 15 مايو من فوق الزمالك حتى وصلت إلى المهندسين ، وفي ميدان سفنكس كانت هناك اشتباكات عنيفة جدا بين المتظاهرين والشرطة ، وكادت سيارتي تدمر بسبب القنابل والحجارة التي يلقيها الطرفان .
من أهم مميزات رحلتي الطويلة إلى المنزل أنني رأيت المظاهرات في أجزاء كثيرة من القاهرة ، خصوصا حين قطعت المسافة من شرق القاهرة عبر كوبري 6 أكتوبر إلى المهندسين ، ثم إلى السادس من أكتوبر .
رأيت مناطق مثل العباسية ، وغمرة ، ورمسيس ، وشارع الجلاء ، وبولاق ، وكورنيش شبرا ، والزمالك ... كل هذه المناطق كانت غاصة بالبشر .
ما رأيته بنفسي في هذا اليوم لا يقل عن نصف مليون متظاهر بأي حال من الأحوال .
طوال الطريق كنت أستمع إلى إحدى محطات الإذاعة الرسمية ، وعلى مدار ساعة ونصف كانت الإذاعة تحاول أن توضح أن الأمور مستقرة ، وأن الاحتجاجات محدودة جدا ، وأنها محصورة في محافظات قليلة .
هذه الرسالة الإعلامية المزورة جاءت على لسان محافظي الفيوم والغربية والسويس وقنا وأسيوط وغيرهم ، وبعض هؤلاء المحافظين بالغ في صفاقته حتى زعم أن الشرطة تحمي المتظاهرين ، وتؤمن مسيرتهم لا أكثر !
وعند الخامسة والنصف ، كانت نشرة الأخبار تعلن نزول القوات المسلحة بأمر من مبارك بصفته الحاكم العسكري ، وتفرض حظر التجول ، وغير ذلك من الإجراءات ، وذلك من أجل حماية ممتلكات الدولة والمواطنين من اعتداءات الغوغاء على الفنادق والبنوك وغيرها .
حينها قلت في نفسي : يا لغبائهم !
نفس الراديو كان يعلن منذ دقائق أن الأمور مستقرة ، وفجأة اتخذت كل هذه الإجراءات من أجل حماية البلد من الغوغاء ...!
كانت رائحة القنابل في كل مكان ، كلما فتحت شباك السيارة في أي مكان في القاهرة تقريبا تدخل هذه الرائحة الخانقة .
واصلت طريقي إلى منزلي ، ووصلت بعد المغرب ، فخلعت ملابسي وأنا منهك تماما ، وجسلت أمام محطات التلفزيون ، وأعلن التلفزيون المصري عن كلمة سيلقيها مبارك بعد قليل .
بعدها أعلن أن السيد فتحي سرور قد صرح بأن هناك قرارات مهمة سيتم الإعلان عنها !
كان انطباعي أن هناك صراعا في غرفة القيادة على كيفية إعلان خروج مبارك من الحكم !
لقد وصل المتظاهرون إلى مبنى التلفزيون !
والحرائق ممتدة بدء من أقسام الشرطة ، وصولا إلى المتحف المصري ، مرورا بمقر الحزب الوطني الحاكم !
لقد سقط مبارك ، ونحن في انتظار خطاب التنحي !
ما عرفناه بعد ذلك أن الوحدات التي جاءت إلى منطقة وسط البلد كانت من الحرس الجمهوري ، وكان الهدف منها أن تؤمن مبنى ماسبيرو ، وهذا ما حدث ، وتم إقناع المتظاهرين (وهم بالمئات) بالخروج من المبنى ، ولم يلتفت أحد من هؤلاء القادة إلى ما يحدث في المتحف المصري ، فأمنوا التلفزيون والإذاعة ، وتركوا المتحف ينهب ، وتركوه أيضا معرضا للاحتراق بسبب الحريق الذي شب في مبنى الحزب المجاور له !
جلست أتابع وأنا في انتظار خطاب التنحي ، وبعد منتصف الليل ، خرج علينا بوجهه العكر ، ليعلن بقاءه ، ويعلن تعيين نائب ، وإقالة الحكومة !
شعرت بصفعة على وجهي !
يا له من عتل غبي !
قلت في نفسي : (والله لن أبيت في منزلي هذه الليلة !) ، فقمت من فوري ، ولبست ملابسي مرة أخرى ، وتوجهت فورا إلى الميدان !
كانت الطريق سالكة ، فوصلت بسرعة كبيرة .
فوجئت حين وصلت بأن عدد الشباب المرابطين في الميدان قليل جدا ، أظنه لا يصل لخمسة آلاف شاب !
بدأت بجولة تفقدية للميدان ، فوجدت عددا كبيرا من الشباب يحرس المتحف المصري ، وقد قبضوا على بعض ضباط وأفراد الشرطة وهم يحاولون العبث به ، وكان ذلك استجابة لنداء المخرج السينمائي خالد يوسف عبر شاشات التلفاز .
الدبابات تمركزت على مداخل الميدان كلها ، ولا وجود للشرطة نهائيا ، اللهم إلا بعض سيارات الشرطة المحترقة ، وبعض الغنائم التي غنمها المتظاهرون ، كالخوذات والعصي !
ومن أغرب ما شاهدته مدرعة محترقة من مدرعات الجيش ، فسألت الشباب عنها ، فأخبروني أنها مدرعة تابعة للحرس الجمهوري ، وأن المتظاهرين أحرقوها لأنها كانت تنقل الذخيرة لقوات مكافحة الشغب !
وكذلك ضُبِطَتْ سيارة إسعاف تنقل ذخيرة لهم ، ولهذا تم منع أي سيارات تعبر من الميدان إلا بعد أن يتم تفتيشها .
لم أجد أي شخص معروف في الميدان ، ولم أجد أي قيادي من القيادات الشبابية أو التاريخية ، وكنت قلقا جدا ، لأن العدد كان قليلا ، ولو أراد النظام تفريغ الميدان ممن فيه الآن لتمكن من ذلك !
حين حاولت أن أنشيء إذاعة أخرى مثل التي أنشأتها في الخامس والعشرين من يناير لم أتمكن ، فجميع المتاجر مغلقة .
حاولت بعد ذلك (في صبيحة اليوم التالي) أن أشتري سماعات من بعض منظمي الأفراح ، ولكنهم بالغوا في الأسعار ، ولم يكن معي ما يكفي من المال ، وحين وجدت بعض الشباب أقاموا الإذاعة ارتحت ، وكذلك قام شباب الإخوان بعمل إذاعة صغيرة تأتي بها سيارة ، ثم تطورت هذه الإذاعة ، وأصبح لها الصوت الأعلى في الميدان .
كان ظني أن الناس قد تعبت من معركة البارحة ، وأنهم سيرتاحون ويبدلون ثيابهم ثم يعودون ، تماما كما فعلت أنا .
وهذا ما حدث ، إذ بدأت الجموع تتدفق على الميدان منذ الصباح الباكر ، فكان العدد يفوق الخمسين ألفا عند التاسعة صباحا ، وكان يفوق الربع مليون مع أذان الظهر .
إذن ... فقد بدأت معركة الصبر !
وللحديث بقية  ...

يوميات ثورة الصـَّبـَّـار ...! ( الحلقة الثالثة ) لـ أ / عبد الرحمن يوسف

وحين سألني الدكتور البرادعي عن رأيي فيما يحدث ، قلت إننا لا بد أن نفهم أننا لا نتعامل مع وزارة الداخلية ، وأن هذا الوضع الذي نحن فيه يعتبر أكبر تهديد للنظام الجمهوري منذ قيامه عام 1952 ، وبالتالي هذا الأمر أكبر بكثير من أن يديره وزير داخلية أيا كان ، وأننا نتعامل حاليا مع النواة الصلبة للنظام ، وأن هناك غرفة عمليات في مكان ما تدير المسألة ، وتعطي أوامرها لوزارة الداخلية لكي تنفذ .
ودللت على ذلك بأن النظام فعل ذلك عند أزمة القضاة ، وشكل غرفة عمليات تدير الأزمة ، وتعطي الأوامر لوزارة الداخلية لتنفذها فقط ، ولا دور لوزارة الداخلية سوى التنفيذ .
وكان من ضمن ما قلته إن أكبر خطر يهددنا هو أن يطول أمد المعركة ، وأننا لا بد أن نكون حذرين جدا في إدارة عمر المعركة ، لأننا لا نضمن إلى أي حد سيطول نفس الجموع معنا ، ولا ينبغي أن نرهق الجموع في معركة طويلة الأمد دون أن نتأكد من قدرة الناس على الاستمرار ، وقد قدرت الزمن الذي ينبغي أن نحسم فيه المعركة بحوالي أسبوعين .
وقد تبين بعد ذلك أن الشعب المصري أعظم وأقوى مما نظن ، فقد طالت المعركة أكثر من ذلك ، ولم يقل الزخم ، ولم تفتر عزيمة المعتصمين .
ويبدو أن النظام بلغ أيضا من الغرور والغباء بحيث أوكل إدارة هذه المعركة لوزير الداخلية الفاشل لوحده .
كنا نتوقع أن يكون عدد المتظاهرين من مليون إلى مليوني متظاهر في مصر كلها ، وكان تخوفنا أن يكون العدد أقل من مليون متظاهر ، وكنا نعتبر أن نزول مليوني متظاهر كفيل بأن يهز النظام هزة قد تنهيه تماما .
كانت الخطة أن نصلي الجمعة مع الدكتور محمد البرادعي في مسجد الاستقامة الواقع في ميدان الجيزة ، تم إعلان ذلك على الفايس بوك ، واتصل بي عشرات المواطنين والناشطين يتساءلون عن مكان صلاة الدكتور ، وأخبرتهم .
كانت الأخبار تتواتر لدينا بنية الحكومة في قطع جميع أشكال الاتصال ، من محمول ، وإنترنت ، لذلك اتفق جميع الناشطين على أماكن لقاءهم بدقة لأنهم يعلمون أن التواصل غدا قد يكون مستحيلا .
في صباح يوم الجمعة حدث أمر غريب ، وخلاصته أن الدكتور مصطفى النجار اضطر أن يتحرك من مسكنه في مدينة السادس من أكتوبر إلى ميدان التحرير لكي يوصل غرضا معينا ، وكان تحركه في حدود التاسعة صباحا ، وقد اتصل بي وهو فزع ، وقال لي : (الجيش شكله حينزل) ...!
فاستغربت ، وسألته عن السبب ، فأجاب بأنه لا يرى شرطيا واحدا في أي شارع من شوارع القاهرة منذ انطلق من مدينة السادس من أكتوبر وحتى وصوله إلى وسط المدينة !
أعدت عليه السؤال ، فكرر الإجابة مؤكدا ، وأخبرني أنه في ميدان التحرير ، ولا يوجد أي شرطة لمكافحة الشغب ، بل إن شرطة المرور اختفت من الشوارع ...!
اتصلت ببعض الأصدقاء أسألهم عن دلالة ذلك ، وكان من ضمنهم الصديق العزيز الأستاذ حسين عبدالغني الإعلامي الشهير ، وأذكر أنه قال لي : (دي مش موجودة في الكتاب يا عبدالرحمن !) ، ويقصد أنه أمر غريب مريب لا تفسير له .
تبيّن بعد ذلك أن ما حدث أمر من اثنين ، إما أن الشرطة كانت مختبأة وظهرت في وقت الصلاة ، وهو احتمال أستبعده .
وإما أن شرطة مكافحة الشغب قد تعبت بعد ثلاثة أيام من العمل المتواصل ، فعادت إلى معسكراتها ليلة الجمعة وذلك في محاولة لمنح هذه القوات قسطا من الراحة ، ثم جلبت إلى مواقعها مع صلاة الجمعة ، وهذا ما أرجحه .
وصلتنا أخبار صباح الجمعة أن الأمن سيمنع الصلاة في مسجد الاستقامة ، وبالتالي قلنا للجميع أحضروا معكم سجاجيدكم لكي نصلي في الشارع .
قبل العاشرة والنصف بدأت شبكات المحمول بالتأثر ، وخلال عدة دقائق تعطلت الشبكات الثلاث ، وانقطع الناس عن بعضهم البعض تماما ، وانقطع كذلك الاتصال بالشبكة العنكبوتية ، مما جعل مصر جزيرة منعزلة عن العالم ، وأصبح شكل الاتصال الوحيد المتاح هو الاتصال عن طريق الهاتف الأرضي .
كان الاتفاق أن نلتقي أمام منزل الدكتور أحمد شكري ، وهو ابن اخت الدكتور البرادعي ، ويسكن أمام حديقة الحيوان بالقرب من ميدان الجيزة ، وتقابلنا هناك في حدود الحادية عشرة صباحا ، وكان هناك جمع من الرموز على رأسهم الدكتور عبدالجليل مصطفى ، والدكتور أبوالغار ، ومصطفى النجار ، التقيت يومها السيدة هبة صالح مراسلة الفاينانشال تايمز للمرة الأولى ، وذلك بعد علاقة (لاسلكية) استمرت عدة شهور ، وكان من الحاضرين كذلك د.أسامة الغزالي حرب ، والصحفي الأستاذ إبراهيم عيسى .
وصل الدكتور البرادعي متأخرا قليلا ، وبعد أن كنا بدأنا بالقلق عليه ، وتحركنا فور وصوله إلى مسجد الاستقامة في مسيرة بالسيارات ، ووقفنا قبل الوصول للمسجد في مكان متفق عليه ، حيث كان ينتظرنا عشرات الشباب لكي يقوموا بالتحلق حول الدكتور لحمايته من أي أذى .
تحلق الشباب حول الدكتور ، وبدأت المسيرة التي لم تستغرق سوى دقائق ونحن نهتف تحيا مصر ، حتى وصلنا إلى المسجد ، وكانت الخطبة قد بدأت ، وكان المسجد غاصا بالمصلين .
حاولت الدخول إلى المسجد فلم أتمكن ، ولكني صليت أمام باب المسجد .
أما الدكتور البرادعي بسبب كثرة المحيطين به فلم يتمكنوا من الوصول إلى باب المسجد من الأساس ، لذلك صلوا في الشارع .
المكان محاصر بآلاف الجنود من الأمن المركزي ، والجو فيه قلق وتوتر يكاد يشمه المرء في الهواء .
حاولت التركيز في خطبة الجمعة لأعرف رأي المؤسسة الدينية فيما يحدث ، فوجدت الخطبة متوازنة .
المسجد الذي اخترناه تابع للجمعية الشرعية ، وقد قال الخطيب في خطبته أن الجمعية الشرعية أصدرت بيانا من ثلاث نقاط ، النقطة الأولى تدعو الحكومة إلى رد المظالم ، والنقطة الثانية تؤكد فيه على حق المتظاهرين في التعبير عن رأيهم ، والنقطة الثالثة تدعو المتظاهرين إلى عدم الاعتداء على أي ممتلكات عامة أو خاصة .
بعد أن سلم الإمام تسليمته الثانية انطلقت الهتافات من المصلين بشكل عفوي ، تحيا مصر ، ومن جهة أخرى هتافات تقول التغيير التغيير ، ولكن حين هتف شخص قائلا : يسقط يسقط حسني مبارك ، توحدت كل الحناجر كأنها سيل عرم ، أو كأنها رعد من السماء ، وظل المصلون يرددون هذا الهتاف ضد مبارك ويكررونه دون أي كلل أو ملل .
في هذه الأثناء غيرت موقعي لكي أحاول الوصول للدكتور البرادعي ، فرأيت مشهدا لن أنساه ، لقد بدأت المدرعات برش المياه على المصلين برغم أنهم لم يتحركوا بعد من أماكنهم ، ونظرا لأن الدكتور البرادعي لم يتمكن من دخول الجامع ، فقد كان خرطوم المياه موجها نحوه مباشرة !
حاول الشباب أن يحموه ، ولكني شاهدت الماء يخبطه هو شخصيا في رأسه وجسده ، وهو مستكين صابر كعادته ، كل ما فعله أن حمى نظارته من السقوط بيديه ، ثم أخذه الشباب إلى داخل المسجد لكي يتمكنوا من حمايته ، وانضم له في المسجد كل الكبار الذين كانوا معه .
كان أمامي ثلاثة خيارات ، الخيار الأول : التوجه مع مجموعة من المصلين إلى جامعة القاهرة .
والخيار الثاني : أن أحتمي بالمسجد مع الدكتور البرادعي والناشطين الذين معه .
والخيار الثالث : أن أخوض المعركة مع المتظاهرين المتجمهرين هنا في ميدان الجيزة .
وقد اخترت الخيار الثالث ، لكي أبقى على مقربة من الدكتور البرادعي لو حدث أي تطور ، ولكي لا يفوتني شرف المشاركة في هذا اليوم العظيم .
بدأت المعركة برش المياه على المتظاهرين ، وقد كنت من ضمن مجموعة حاولت أن تحمس الناس لكي يتشجعوا ويدخلوا باتجاه الجنود ، وقد قمت بالاشتباك مع بعض الجنود ، وخطفت عصا من يد واحد منهم ، وكنت سعيدا بها جدا ، ولكنها ضاعت مني في أحداث المعركة بعد ذلك !
حين اشتبكت مع الجنود أصابني خرطوم المياه الخارج من المدرعة إصابة مباشرة من قمة رأسي إلى أخمص قدمي ، فصار منظري كأنه خرجت من البحر لتوي !
كنت ألبس بنطلون (جينز) ، وكنزتين من الصوف ، وذلك لحماية جسمي من الهراوات التي قد تسقط عليه ، وصار كل ذلك مبتلا تماما ، كل ما ألبسه من ملابس ، حتى الداخلية صارت مبتلة تماما ، وظلت مبتلة لساعات ، حتى إنني بعد أن صليت العصر كنت ما زلت أعصر ملابسي فتنز الماء نزا !
بدأت المعركة بالماء ، ثم بعد أن ابتعد المتظاهرون – بسبب الماء – مسافة معقولة بدأت القنابل المسيلة للدموع بالانطلاق .
لقد ألقي علينا مئات من القنابل !
كان عدد المتظاهرين يزداد كل دقيقة ، وكان المتظاهرون يأتون من مناطق الجيزة المختلفة حتى يصلوا إلى ميدان الجيزة ، فينضموا إلينا .
كان المتظاهرون قد فهموا اللعبة ، وعرفوا كيفية التعامل مع القنابل المسيلة للدموع ، فالعلاج هو الخل ، مناديل مبتلة بالخل ، وكذلك أن يشم المصاب بصلا ، أو أن يغسل وجهه بالبيبسي أو ما شابه ذلك من المشروبات ، بالإضافة إلى حماية الوجه بقناع طبي ، وحماية العيون بنظارة مائية أو ما شابه ذلك ، وقد تعلمنا ذلك من خلال التواصل مع الشباب التونسي على الفايس بوك .
كنت قد حصنت نفسي ببعض هذه الأشياء ، وخضت المعركة مع شباب الجيزة الذين أظهروا شجاعة مذهلة !
كانوا يقفزون إلى القنابل المسيلة قفزا ، ثم يمسكونها بيديهم ، ويركضون بسرعة إلى رجال الشرطة ، ثم يلقونها ناحيتهم ، وقد ساعدهم في ذلك أن الله شاء أن يتغير اتجاه الريح فيصبح باتجاه الشرطة لا باتجاهنا .
في هذه المعركة ... عرفت أن التغيير أصبح واقعا ...!
لم أر في حياتي كلها المصريين يحبون بعضهم بهذا الشكل !
البصل والخل يتساقط علينا من الشرفات ، كلما تعب شخص وجد عشرة يحملونه ويساعدونه ، وجدت من المتظاهرين من اشترى قطرات العيون وظل يعالج بها عيون المصابين بالقنابل ، ووجدت من يشتري البيبسي لكي يساعد المصابين !
كان حواري الداخلي يقول : (هؤلاء هم المصريون ، المصريون الذين يقتلون بعضهم البعض من أجل عشرة جنيهات ، هؤلاء هم المصريون الذين يقترفون كافة الموبقات ، هؤلاء هم الذين يدفعون الرشى والإكراميات ، ولا يتقنون أعمالهم ، ويعيشون عالة على الأمم وعلى أنفسهم ... هاهم يستخرجون أفضل ما في أنفسهم بعد أن قرروا أن يكونوا قادة أنفسهم) !

يوميات ثورة الصبار ( الحلقة الثانيه ) لـ أ / عبد الرحمن يوسف

( الحلقة الثانيه )

كان الهدف بالطبع هو عمل إذاعة لنتمكن من توجيه هذا الجمهور ، بدلا من أن يظل بلا هدف .
وقررنا أن نأخذ كهرباء من عامود النور بجوار إشارة المرور المطلة على الميدان باتجاه مطعم (هارديز) ، وحين احتجنا كهربائيا ، وجدنا العديد من الكهربائيين ضمن المتظاهرين !
كنت في قمة السعادة ، فهذا التجمع يضم طبقات متعددة ، طلبة في الجامعة الأمريكية ، وفي الجامعات المصرية ، ومهنيين ، وفلاحين ، فقراء وأغنياء ، بنين وبنات ، وهذه ظاهرة جديدة في الحياة السياسية المصرية ، فالمتظاهرون من طبقات شتى ، ولا يعرفون بعضهم البعض !
لقد مللنا من المظاهرات التي نلتقي فيها بكل الوجوه التي نعرفها ، تبدأ المظاهرة وعددنا ألف شخص ، وتنتهي دون أن تصبح ألف و واحد ...!
المهم ... جاءت المعدات ، وفشلنا في أن نجهزها للعمل !
ولكني صممت على تنفيذ الفكرة ، فقلت للناشط المعروف د.مصطفى النجار المنسق العام للحملة الشعبية لدعم البرادعي ومطالب التغيير بضرورة أن يحضر أجهزة أخرى ، وقد كان ، فأخرج من جيبه ما يقرب من 1500 جنيه ، وتم شراء عدة أخرى ، ونجح الفنيون في تركيبها .
أمسكت بالميكروفون ، وقلت :
بسم الله الرحمن الرحيم
يا شباب مصر ...
أعلن عن بدء إذاعة التغيير ومقرها ميدان التحرير بالقاهرة ...!
فانفجر جمهور الحاضرين بالتصفيق والهتاف ...!
ثم أكملت كلامي : يعد برامجها ، ويحررها ، ويقدمها ، شباب مصر الثائر المعتصم بميدان التحرير ...!
بدأت بتحميس الشباب ، وبتوجيههم إلى ضرورة الصمود في أماكنهم مهما كان الثمن ، وبأننا إذا صمدنا حتى صباح الغد واستيقظت القاهرة ووجدتنا في الميدان فمعنى ذلك أننا سنبدأ صفحة جديدة في الحياة السياسية في مصر .
وبالفعل ، امتلأ الجميع حماسة وتصميما على البقاء في الميدان حتى الصباح .
أعلنا كذلك عن فتح الباب للحديث في الإذاعة لمن يريد أن يلقي قصيدة أو أغنية أو كلمة ، وبدأنا بتلقي الطلبات من الجمهور ، ووعدنا الجميع بأن تكون الإذاعة ملكا للجميع ، وقد كانت كذلك بالفعل ، لمدة ساعتين ...!
وكان من ضمن ما أشعل الحماس أنني أعلنت أن هذه الثورة قد بدأت بدفع ثمن الحرية وذلك بشهيدين في السويس ...!
كانت التجربة المطبوعة في ذهني مؤلمة جدا ...!
وأعني بها تجربة حدثت في مارس 2003 ، بعد أن بدأت أمريكا بضرب العراق ، فاعتصمنا في الميدان بنفس الطريقة ، وعند الفجر ، هجم الأمن المركزي وطرد من طرد ، واعتقل من اعتقل .
كان المنظر مختلفا ، فالعدد هذه المرة أضعاف العدد الموجود في 2003 ، وأهم من ذلك أن الهمم والمعنويات مختلفة تماما .
بدأنا بفعاليات الإذاعة ، وبدأ المتحدثون بالحديث ، أذكر أن أول المتحدثين كان الدكتور علاء الأسواني ، وتحدثت أيضا السيدة جميلة إسماعيل ، والدكتور عبدالجليل مصطفى ، والنائب الإخواني محمد البلتاجي ، وغيرهم .
وكنت الوحيد الذي لم يتحدث ، فقد شعرت بحرج أن ألقي أشعاري على الحضور وأنا المسؤول عن الإذاعة ، برغم أن المئات من الحضور أمامي كانوا يطالبونني بذلك ، ولكني تحرجت ، وانتهى اليوم دون أن ألقي قصيدة واحدة ، بل قدمت الآخرين فقط .
قبل انتصاف الليل ، كانت تحركات الشرطة أصبحت مريبة ، لذلك وجهت جموع الحاضرين إلى التفرق على مداخل الميدان المختلفة لتأمينها جميعا ، وكان لذلك أثر طيب قلل الخسائر عند اقتحام الشرطة للميدان .
هذه التوجيهات لم تكن اجتهادا مني بقدر ما كانت استجابة للشباب النابه من حولي .
بعد انتصاف الليل كان صوتي قد بلغ به الإرهاق حدا رهيبا ، فلم أتمكن من مواصلة إدارة الإذاعة ، فتركتها للشباب ، وبدأت بالتجول على مداخل الميدان المختلفة لأتأكد من أن جميعها قد تم تأمينه ، وكان معي في هذه الجولة  د.مصطفى النجار .
وفجأة ، وبدون أي سابق إنذار ، بدأ الهجوم الوحشي القذر من الأمن المركزي ...!
سقطت القنبلة الأولى على الإذاعة مباشرة ...!!!
المدرعات تتقدم ، وأصوات القنابل تدوي ، والقنابل المسيلة للدموع تنطلق عاليا وتسقط في وسط الميدان حيث الحديقة .
كان من الصعب أن نصمد هذا اليوم ، لذلك قرر العقل الجمعي للشعب المصري أن يغادر الميدان .
في هذه اللحظة ، كان مصطفى النجار أمامي ، وخطر في بالي خاطر ، هل أمشي معه ، أم أنصرف لوحدي ؟
وأخذت القرار ، وانصرفت وحيدا ، واختفيت بين الجموع الهاربة ، وكان ذلك قرارا حكيما ، ذلك أن مصطفى قد قبض عليه ، ولو كنت قد مشيت معه لقبض علينا معا !
من ضمن ما حدث أثناء الهروب أن سقطت بجواري قنبلة مسيلة للدموع ، فحاولت التقاطها بشكل شديد السذاجة ، فكدت أختنق بالدخان ، ولولا أن بعض الشباب عرفوني وساعدوني في الهروب لكنت قد سقطت من شدة الإعياء ...!
كانت خطة الشرطة أن يجبرونا على الخروج من الميدان ، لذلك تركوا لنا بعض الطرق للخروج ، أنا خرجت في جمع غفير من شارع (شامبليون) ، وكان الشباب يهتفون بمنتهى الحماس ، يسقط يسقط حسني مبارك ، الشعب يريد إسقاط النظام .
وحين اقترب مني بعض الشباب سائلين : هل خسرنا المعركة بانصرافنا ؟
جاوبتهم بكل ثقة : هذا الجمع ما فرَّ إلا ليكِرَّ ...!
وقلتها بالعامية : إحنا مش هربانين ، إحنا ماشيين علشان نرجع بعدد أكبر ...!
وهو ما حدث بعدها بأيام .
مشيت مع المظاهرة مسافة كبيرة ، فمشينا عبر شارع الجلاء ، ومنه إلى بولاق ، ثم ركبت سيارة أجرة إلى منزلي ، لكي أتابع ما الذي حدث ، لأنني كنت منفصلا تماما عن العالم بسبب فراغ بطارية هاتفي .
وصلت منزلي في تمام الثالثة والنصف صباحا ، وبدأت الاتصالات ، وأدركت أننا أمام هجوم وحشي تأذى فيه الكثيرون ، وعند الصباح بدأت الأخبار تتوالى حول اعتقال مصطفى النجار .
بعد خروج مصطفى من السجن بعدها بحوالي يوم ونصف تبيَّنَ أننا حين كنا نسير معا في الميدان لحظة الهجوم كنا مراقبين من أشخاص لا نراهم ، وأنهم ساروا خلف مصطفى النجار ، واستغلوا أنه تعب من الغازات المسيلة للدموع ، وتظاهروا بمساعدته ، ثم قاموا بخطفه في سيارة مجهولة إلى مبنى أمن الدولة في لاظوغلي .
كان القبض على مصطفى النجار لسببين ، الأول : أنه المسؤول عن أول دعوة للتظاهرة ، فقد أصدرت الحملة بيانا قالت فيه :
تدعو الحملة الشعبية لدعم البرادعي ومطالب التغيير جموع الشعب المصري إلى الخروج في تظاهرات سلمية يوم كذا بشكل كذا ... الخ ...!
والسبب الثاني : الإذاعة التي كانت في الميدان ...!
لذلك عومل بقسوة شديدة في سجنه ، وضرب ضربا شديدا ، ولم يفرج عنه إلا لأنه كاد يموت في الحجز ، وذلك لأنه مصاب بمرض في رئته يتسبب في حالات ضيق تنفس واختناق ، ونظرا لأنه كان مكمما طوال فترة حجزه ، فقد تسبب ذلك في إصابته بنوبة اختناق كادت تودي بحياته ، فرموه في الشارع لكي لا يموت عندهم !
من أهم ما جرى في السجن أن جهاز أمن الدولة لم يكن يتخيل أن يتحرك الشعب المصري !
حين أخبرهم مصطفى أن الحاضرين في الميدان لا انتماء لهم ، ضربوه بعنف ، وحاولوا أن يجبروه على التوقيع على اعترافات ملخصها أن ما حدث كان خطة متفقا عليها بين د.البرادعي ، وبين الإخوان المسلمين ...!
وكانوا رافضين تماما لأي حديث عن حركة عفوية للناس ، وكان من أسباب ضرب مصطفى في سجنه أنه رفض التوقيع على هذه الاعترافات المفبركة رفضا تاما ، خصوصا أنها كانت مدعمة بالصور ، وبالصوت والصورة ، إذ تم تصويرنا ونحن نتحدث في الإذاعة التي أقمناها في الميدان .
حين حكى لي مصطفى ما حدث ، شعرت بأن النهاية اقتربت ، لأن أعراض غرور هذا الجهاز أصبحت أكبر من أن يعيش معها هذا الجهاز ، إن غرور أمن الدولة كان من أهم أسباب القضاء على هذا الجهاز الخسيس .
خرج مصطفى النجار مصابا ، فهو يعرج بسبب ضرب مبرح في ركبته ، وكذلك كان مصابا بشرخ في أحد أضلاع صدره ، بالإضافة للإرهاق الذي تسبب فيه تكميمه طوال فترة اعتقاله مما أدى إلى نوبة ضيق التنفس التي أصابته .
استمرت المظاهرات حتى يوم الجمعة ، وهو يوم جمعة الغضب الذي دعونا إليه أول ما دعونا من خلال الإذاعة التي كانت في ميدان التحرير !
بعد أن تم فض الاعتصام هاتفني أصدقاء لم أسمع أصواتهم منذ سنوات وسنوات ليعرفوا كيفية الانضمام لهذه الحركة .
كان الشعور الغالب عند من يتصل بي ، أنه قد فاته شرف الاشتراك في التظاهرة الكبرى في ميدان التحرير ، وأنه يريد أن يعوض ما فاته .
وخلال اليومين التاليين (الأربعاء ، والخميس) استمرت المظاهرات في عشرات الأماكن في القاهرة الكبرى ، كانت مظاهرات صغيرة ، أو متوسطة ، ولكنها استدعت حشد قوات الأمن المركزي ، مما تسبب في إرهاق شديد لهذه القوات ، وبالتالي كانت المهمة سهلة يوم الجمعة ، فقد كنا نحارب جيشا منهكا تمام الإنهاك .
ليلة الجمعة وصل الدكتور محمد البرادعي إلى القاهرة ، بعد أن قطع سفره خصيصا لينضم إلى التظاهرات .
وعقدنا اجتماعا معه في منزله فور وصوله ، وكان من ضمن الحاضرين الدكتور عبدالجليل مصطفى ، والأستاذ علي البرادعي ، الدكتور عصام العريان ، والدكتور الكتاتني ، والدكتور مصطفى النجار ، والناشط عبدالمنعم إمام .
من أهم ما دار في الاجتماع أن الإخوان المسلمين قد اتخذوا الموقف الصحيح ، وكان كلام الدكتور العريان والدكتور الكتاتني يدل على أن الجماعة قد قررت النزول للشارع وأن تلتحم مع الشعب المصري في ثورته .